معركة هليوبوليس
ولما وصل المدد إلى عمرو بن العاص في (جمادى الآخرة سنة 19هـ=يونيو سنة 640م) سار بجيشه إلى مدينة عين شمس (هليوبوليس)، وقامت خطته على أن يجتذب إليه جند الروم لينازلهم خارج الحصن، ولم تكن للعرب وقتئذ خبرة تامة باقتحام الحصون والاستيلاء عليها.
وخرجت جيوش الروم لملاقاة المسلمين في السهل الواقع بين الحصن ومدينة عين شمس وكانت عيون عمرو قد نقلت إليه أخبار هذا التحرك، فأعد خطة ماهرة، واستعد بقلب جيشه عند عين شمس، وأرسل في جنح الليل كمينًا من جيشه استقر غربًا في قرية أم دنين، وآخر اختبأ عند جبل المقطم.
ولما بدأت المعركة وكانت في (رجب سنة 19هـ = يوليو 640م)، واشتد القتال، انقضت الكتيبة المختبئة عند الجبل بقيادة خارجة بن خدافة على مؤخرة الروم، وأعملت فيهم السيف، فأخذتهم المفاجأة، وتملكهم الفزع والرعب، فولوا هاربين نحو قرية "أم دنين" وكان في انتظارهم الكتيبة الأخرى، فأحاطت بهم وأمعنت فيهم قتلاً وضربًا، وفر الباقون إلى حصن بابليون.
حصار حصن بابليون
مكن هذا النصر معسكرات المسلمين من أن تشرف على حصن بابليون مباشرة من جهته الشمالية والشرقية، ولا تزال بقايا هذا الحصن موجودة في حي مصر القديمة، وكانت أسوار هذا الحصن تضم مساحة تزيد عن الستين فدانًا.
ضرب المسلمون حصارًا قويًا على الحصن المنيع، غير عابئين بمجانيق الروم، تدفعهم حماستهم وحب الجهد ونيل الشهادة في مهاجمة الحصن، والقيام بسلسلة من المناوشات التي كانت نتائجها تضعف معنويات المحاصرين، ولم يكد يمضي على الحصار شهر حتى دب اليأس في نفس "المقوقس" حاكم مصر، فأرسل في طلب المفاوضة والصلح، فبعث عمرو بن العاص وفدًا من المفاوضين على رأسه عبادة بن الصامت الذي كلف بألا يتجاوز في مفاوضته أمورًا ثلاثة يختار الروم واحدة منها، وهي: الدخول في الإسلام، أو قبول دفع الجزية للمسلمين، أو الاحتكام إلى القتال، فلم يقبل الروم العرضين الأولين، وأصروا على مواصلة القتال.
وحاول المقوقس أن يعقد صلحًا مع عمرو بعد أن تيقن أنه لا قبل له بمواجهة المسلمين، وآثر الصلح وحقن الدماء، واختار أن يدفع الجزية للمسلمين، وكتب شروط الصلح، وأرسلها إلى هرقل إمبراطور الروم للموافقة عليها، وأسرع إلى الإسكندرية مغادرًا الحصن، وأردف شروط الصلح برسالة إلى هرقل يعتذر فيها لسيده عما أقدم عليه من الصلح مع السلمين، فما كان من هرقل إلا أن أرسل إليه وإلى قادة الروم يعنفهم على تخاذلهم وتهاونهم إزاء المسلمين، ولم يكن لهذا معنى سوى رفض شروط الصلح.
استأنف المسلمون القتال وشددوا الحصار بعد فشل الصلح، وفي أثناء ذلك جاءت الأنباء بوفاة هرقل ففتّ ذلك في عضد الجنود داخل الحصن، وزادهم يأسًا على يأس، في الوقت الذي صحت فيه عزائم المسلمين، وقويت معنوياتهم، وقدموا أروع أمثلة الشجاعة والفداء، وفي غمرة الحصار تطوَّع الزبير بن العوام بتسلق سور الحصن في ظلام الليل، وتمكن بواسطة سلم وضع له أن يصعد إلى أعلى السور، ولم يشعر الروم إلا بتكبيرة الزبير، تهزُّ سكون الليل، ولم يلبث أن تبعه المسلمون يتسابقون على الصعود، تسبقهم تكبيراتهم المدوية فتنخلع لها أفئدة الروم التي ملأها اليأس، فكانت تلك التكبيرات أمضى من كل سلاح قابلهم، ولم تكد تشرق شمس يوم (18 من ربيع الآخر سنة 20 هـ=16 من إبريل 641م) حتى كان قائد الحصن يعرض الصلاح على عمرو ومغادرة الحصن، فكان ذلك إيذانًا بعهد جديد تسلكه مصر، ولا تزال تحمل رايته حتى يومنا هذا.
من مصادر الدراسة: ابن عبد الحكم – فتوح مصر وأخبارها – ليدن –1920
مبتلر – فتح الرب لمصر – ترجمة محمد فريد أبو حديد – القاهرة – 1941م
علي إبراهيم حسن – مصر في العصور الوسطى – مكتبة النهضة المصرية – القاهرة – 1954م
جمال الدين الشيال – تاريخ مصر الإسلامية 4 – دار المعارف – القاهرة – 1967م
جون باجوت جلوب – الفتوحات العربية الكبرى – ترجمة خيري حماد – القاهرة – 1963م.